2014-06-19

إعادة تدوير المخلفات ليست موضة بل إسلوب حياة

يُعتبر تنامي الوعي البيئي فرصة لنشر وتكريس ثقافة احترام البيئة وتوظيف الإمكانات لتعويض الخلل في التوازن البيئي الناتج عن الممارسات الضارة كتلوّث الهواء بالغازات الدفيئة والمياه بالفضلات الصناعية وإنتاج ملايين الأطنان من النفايات يومياً وانتشار العمران على حساب المساحات الخضراء، إذ لم يعد بمقدور الطبيعة الأم ذات الإيقاع الرزين، أن تستوعب التهافت المتسارع على مواردها، وأصبحت العودة إلى أحضان الطبيعة والتوافق معها بدلاً من تطويعها القسري ضرورة ملحة للخروج من دائرة الخطر.

من هذ المنطلق يمكن الاستفادة من بعض تجارب تدوير المخلفات لتكريس ثقافة احترام البيئة والالتزام بها كأسلوب حياة. نبدأ من الاتحاد الأوروبي الذي يقدم جائزة سنوية لتشجيع العواصم الأوروبية على تحسين نوعية حياة سكانها من خلال وضع البيئة نصب الأعين أثناء عمليات التخطيط، وإحتلت مدينة استوكهولم عاصمة السويد لقب "العاصمة الأوروبية الخضراء" لعام ٢٠١٠، نتيجة امتلاكها لنظام إدارة متكامل يضمن إدخال القضايا البيئية في موازنات المدينة وتخطيطها، ونظام مبتكر لفرز النفايات العضوية وإعادة تدويرها بإستخدام نظم تحكم خوائية تحت الأرض)فضاء مفرّغ من الهواء(، وبرنامجها الطموح لتصبح مدينة خالية تماماً من الوقود الإحفوري حتى عام ٢٠٥٠. ومن الولايات المتحدة الأمريكية تجربتين تظهران كيف أن الثقافة البيئية ليست عبئاً وإنما فرصة للابتكار، انطلاقاً من فكرة أن النفايات هي خامات قابلة للتحويل إلى منتجات مربحة. وأما الدافع وراء هذه الأفكار الخلّاقة فهو الوضع الاقتصادي المتعثر وتنامي الوعي البيئي، والنتيجة هي إبتكار وسائل لتدوير نفايات تقتطع من ٢٥٠ مليون طن ينتجه الأمريكيون في السنة، يعاد تدوير نحو ٣٤ % منه إلى سماد والباقي إلى المطامر. هذا الأمر ممكن أيضاً في بلداننا العربية مع توفر مواقع الإعلانات المجانية حيث تعرض الأدوات والأجهزة المستعملة كما في الجزائر مثلاً، يمكن الحصول عليها أو عرضها للبيع وتدويرها بشكل يناسب إحتياجاتنا اليومية ويساهم ولو بجزء بسيط في الحفاظ على بيئتنا.

التجربة الأولى كانت لشاب جامعي لاحظ كمية الأطعمة التي تهدر بعد تناول الوجبات في المطاعم، والكلفة العالية لنقلها، وبدأ بتحويل فضلات الطعام من حاويات القمامة إلى سماد بعد أن أجرى تحاليل مخبرية أوصلته إلى أفضل تركيبة لسماد عضوي ممتاز، وترك الجامعة ليؤسس شركة بيئية تبيع السماد العضوي والتراب الزراعي. التجربة الثانية هي لشاب دفعه فضوله لمعرفة مصير قطعة صابون استعملها في فندق، وتوصّل إلى فكرة تأسيس منظمة غير ربحية لتحويل النفايات عن المطامر وتصنيع وتوزيع الصابون على المحتاجين في الدول الفقيرة، وأبرمت منظمته عقوداً مع فنادق حصلت بموجبها على رسم شهري يعادل 65 سنتاً عن كل غرفة، مقابل جمع الصابون ورعاية المشروع، وكانت النتيجة توزيع ما يزيد عن ١٥ مليون لوح صابون في ٥٥ بلداً وتحويل ٧٠٠ طن من النفايات عن المطامر. كل واحد منا يتحمل مسؤولية أخلاقية تجاه البيئة ولكن على قدر المسؤولية.